العدل فی القرآن الكريم

بقلم : الشيخ عبدالكريم آل نجف

اذا جئنا الى علماء الأخلاق وجدناهم يسلكون طريق دور العقيدة فی العدل، فنجد ابن مسكوية يبين العدل ويفسره ثم يشير الى دور الشريعة فی تحقيقه حينما يقول: ان (الشريعة هی التی ترسم فی كل واحد من هذه الأشياء التوسط والاعتدال..).

وقد أوضح المولى النراقی ذلك بتفصيل أكبر حينما كتب يقول: (وإذا عرفت شرف العدالة وايجابها للعمل بالمساواة وردّ كل ناقص وزائد الى الوسط، فاعلم أنها إما متعلقة بالأخلاق والأفعال، أو بالكرامات وقسمة الأموال، أو بالمعاملات والمعاوضات، أو بالأحكام والسياسات. والعادل فی كل واحد من هذه الأمور: ما يحدث التساوی فيه بردّ الافراط والتفريط الى الوسط، ولا ريب فی أنه مشروط بالعلم بطبيعة الوسط حتى يمكن ردّ الطرفين إليه.

وهنا العلم فی غاية الصعوبة، ولا يتيسر إلا بالرجوع إلى ميزان معرّف للأوساط فی جميع الأشياء، وما هو إلا ميزان الشريعة الإلهية الصادرة عن منبع الوحدة الحقة الحقيقية، فإنها هی المعرّفة للأوساط فی جميع الأشياء على ما ينبغی، والمتضمنة لبيان تفاصيل جميع مراتب الحكمة العملية، فالعادل بالحقيقة يجب أن يكون حكيماً عالماً بالنواميس الإلهية الصادرة من عند الله سبحانه وتعالى لحفظ المساواة.

وقد ذكر علماء الأخلاق أن العدول ثلاثة: الأول: العادل الأكبر وهو الشريعة الالهية الصادرة من عند الله سبحانه لحفظ المساواة، والثانی: العادل الأوسط وهو الحاكم العادل التابع للنواميس الإلهية والشريعة النبوية، فإنه خليفة الشريعة فی حفظ المساواة، الثالث: العادل الصامت وهو الدينار؛ لأنه يحفظ المساواة فی المعاملات والمعاوضات.

وقد أشير الى العدول الثلاثة فی الكتاب الإلهی بقوله سبحانه: (وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس) فإن الكتاب اشارة إلى الشريعة، والميزان إلى آلة معرفة النسبة بين المختلفات ومنها الدينار، والحديد إلى سيف الحاكم العادل المقوم للناس على الوسط، هذا والمقابل للعادل أعنی الجائر المبطل التساوی أيضاً، أما جائر أعظم وهو الخارج عن حكم الشريعة ويسمى كافراً، أو جائر أوسط وهو مَن لا يطيع عدول الحكام فی الأحكام ويسمى طاغياً وباغياً، أو جائر أصغر وهو مَن لا يقوم على الدينار فيأخذ لنفسه أكثر من حقه ويعطی غيره أقل من حقه ويسمى سارقاً خائناً..).

وإذا انتقلنا من الاسلام إلى المسيحية، وجدنا علماء اللاهوت يؤكدون بدورهم على العلاقة بين العدل والدين، فإن الانسان العادل عندهم هو الانسان الخاضع لأوامر الله ونواهيه.

ولذا نجد السيد الشهيد الصدر يقول: (إن الاسلام حين أدرج العدالة ضمن المبادی الأساسية التی يتكون منها مذهبه الاقتصادی، لم يتبين العدالة الاجتماعية بمفهومها التجريدی العام، ولم يناد بها بشكل مفتوح لكل تفسير، ولا أوكله إلى المجتمعات الانسانية التی تختلف فی نظرتها للعدالة الاجتماعية باختلاف أفكارها الحضارية ومفاهيمها عن الحياة، وإنما حدد الاسلام هذا المفهوم وبلوره فی مخطط اجتماعی معين، واستطاع بعد ذلك أن يجسد هذا التصميم فی واقع اجتماعی حیّ تنبض جميع شرايينه وأوردته بالمفهوم الاسلامی للعدالة).

ودقة المطلب تقتضی منا التنبيه على ضرورة أن لا يفهم من التأكيد المتكرر على العلاقة بين التوحيد والعدل عدم وجود موقف أو حالة معينة يصدق عليها وصف العدل من شخص لا ينتمی إلى الدين، فإن العدل متوقف على خطوتين: خطوة نظرية على صعيد المفهوم، وأخرى عملية على صعيد التطبيق وإن الخطوة النظرية مركبة من قسم عقلی يستطيع الانسان أن يعتمد فيها على أحكام عقلية واضحة لدى جميع العقلاء، كحكم العقل بقبح الانحياز، وحسن المساواة بين الناس فی الحقوق والواجبات، وقسم خر متوقف على الوحی، فلو أن إنساناً معيناً امتثل الحكم العقلی المذكور لدى تصديه لمنصب من المناصب، ولم يصدر منه انحياز لصالح أحد من أقربائه ـ مثلاً ـ على حساب الآخرين، أصبح ذلك الشخص مستحقاً لوصف العدل فی موقفه هذا.

وما مضى من كلام السيد ابن طاووس وابن تيمة وابن قيم الجوزية الذی يظهر منه عدم ارتباط العدل بالدين، صحيح بهذا المعنى المحدود فقط، ومن المقطوع به أنهم لا يحكمون بعدالة قاض يحكم بغير ما أنزل الله فی كتابه، لارتباط القضاء بالشريعة، فكيف نتصور أنهم يطلقون العدل على دولة كافرة؟

وحينئذ فمن الممكن أن نصف موقفاً يصدر من حاكم كافر أو دولة كافرة بالعدل، ولكننا لا يمكننا أن نصف الدولة الكافرة نفسها بالعدل، ونحن حينما نؤكد على ارتباط العدل بالتوحيد، فذلك بلحاظ اتخاذ العدل منهجاً متكاملاً فی الحياة وأساساً لبناء نظام اجتماعی، وحينما يؤكد الفقهاء فی تعريفهم للعدالة والشخص العادل على ملازمة التقوى واجتناب الكبائر واتيان الواجبات؛ فلأن العدالة بمعناها الكامل مشروع اجتماعی يبدأ من تربية الفرد العادل وينتهی ببناء المجتمع العادل، ولأن المعنى المحدود للعدل الذی قد يصدر بنحو عابر من حاكم غير اسلامی لا يوثق به كحالة مستمرة وشاملة، ولا يمكن الاعتماد عليه كأساس فی الحياة الاجتماعية، وإنما هو معنى مساعد للعدالة بمعناها الكامل الذی يؤكد الاسلام عليه.

فالصحيح إذن أن الاسلام عادل، وأن العدل هو المفهوم، والاسلام مصداق له، ولكن مع لحاظ أنه المصداق الوحيد للعدل، ومن هنا كان الشرك (لظلم عظيم) حسب تعبير القرآن؛ لأنه ظلم لحق الله فی الألوهية، وسبب يؤدی الى مصادرة العدل عن الساحة الانسانية، قال تعالى: (ومَن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون) المائدة/ 45، (الكافرون هم الظالمون) النساء/ 40، فهذه الآيات جميعاً تشير الى انحصار العدل فی الدين، إذا كان المراد من العدل معنى شمولياً لمرافق الحياة الاجتماعية العامة، وإلا فمن الممكن صدور العدل من الكافر بالمعنى المحدود للعدل كما مرّ.

لقد آمنت الليبرالية الغربية، بأن العدل هو ما تأتی به الطبيعة، وأن المجتمع إذا انقسم بين فقير وغنی فذلك انقسام عادل؛ لأن الطبيعة البشرية قد ساقت المجتمع إليه، وجعلت كل فرد يأخذ حصته من الحياة وفقاً لما زودته الطبيعة به من ملكات وقابليات، وطبقاً لهذا التفسير لابد وأن يكون هتلر ويزيد وفرعون ونيرون يسيرون طبقاً لقانون الطبيعة، وواضح أن هذا التفسير يساوق انكار العدل، فجاءت الماركسية بمثابة الانتصار للعدل والعدالة فی الحياة، وآمنت باحتياج العدالة إلى دولة صارمت وقوانين حاسمة من شأنها نقل المجتمع من ثقافة برجوازية الى ثقافة اشتراكية تتكفل بازالة ما أسمته الرأسمالية بقانون الطبيعة واعادة تكييف الشخصية الانسانية وفقاً لمبدأ (من كل حسب قدرته، ولكل حسب حاجته).

وتجيب الليبرالية على هذا التفكير بأن تلك الدولة الصارمة ستكون هی المظهر الجديد لقانون الطبيعة، فان الفرد أو الأفراد الأقوياء الذين سيتولون تطبيق الاشتراكية ليس هناك ما يضمن تطبيق العدالة الاشتراكية عليهم، وحينئذ سيكون المجتمع اشتراكياً فی طبقة الضعفاء، ورأسمالياً فی طبقة الأقوياء الحاكمين باسم الاشتراكية، وليست هذه إلا صورة أخرى من قانون الطبيعة.

وهنا ليس عند الماركسية ما تجيب به، وفقدانها للجواب شاهد واضح على أن العدل لا يجد تجسيداً فی الواقع المستند إلى الانسان وحده، وأن الماركسية قد تقدمت خطوة إلى الأمام حينما أرادت الانتصار للعدالة من مظالم الرأسمالية، وحينما آمنت باحتياج العدالة الى تكييف الانسان فی ضوء قانون اجتماعی عادل، ولكنها أخطأت حينما ادعت لنفسها هذا الدور، فان العدالة تحتاج الى عقيدة تقوم بالدورين المذكورين آنفاً، إلا أن العقيدة التی تقوم بهذين الدورين ليست إلا الدين؛ لأن الدين هو القادر على وضع قانون اجتماعی عادل، وعلى تكييف وتهذيب الانسان فی ضوء ذلك القانون.

- العدل فی القرآن الكريم:

بعد اتضاح مفهوم العدل ودور العقيدة فی استنجازه وتجسيده فی واقع الحياة، ووضوح أن العدل لا يجد مفهومه الصحيح وصمداقه الواقعی إلا فی ظل التوحيد؛ نأتتی لنبحث عن مكانة العدل فی التصور الاسلامی، ومدى ما يحظى به فی ظل هذا التصور من قاعدة متينة لا تسمح بظهور أیّ خلل فی جانب من الجوانب، بالنحو الذی يساعدنا على التغلب على الكثير من الابهامات التی يبدو منها كأن فی الاسلام نوعاً من الانحياز لانسان على حساب انسان آخر بما يضعف قيمة العالمية وبالتالی قيمة العدل فی الاسلام. اننا اذا جئنا الى القرآن الكريم وجدناه يركز على العدل من جهات مختلفة نستطيع أن نحصرها فی النقاط الآتية:

1 ـ نفی الظلم عن اله سبحانه وتعالى:

وتنضوی تحت هذا العنوان عشرات الآيات التی تؤكد نفی الظلم عن الله سبحانه وتعالى، مثل قوله تعالى: (إن الله لا يظلم مثقال ذرة) النساء/ 40، وقوله تعالى: (ان الله لا يظلم الناس شيئاً ولكن الناس أنفسهم يظلمون) يونس/ 44.

2 ـ ذم الظلم والتوعد عليه واستنكار الظالمين والنهی عن الركون اليهم:

مثل قوله تعالى: (أما مَن ظلم فسوف نعذبه) الكهف/ 87، وقوله تعالى: (وسيعلم الذين ظلموا أی منقلب ينقلبون) الشعراء/ 227، وقوله تعالى: (ولا تركنوا الى الذين ظلموا فتمسكم النار) هود/ 113.

3 ـ تعليل بعثة الأنبياء باقامة العدل:

وذلك فی قوله تعالى: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله مَن ينصره ورسله بالغيب ان الله قوی عزيز) الحديد/ 25.

4 ـ الأمر بالعدل والقسط:

مثل قوله تعالى: (وأمرت لأعدل بينكم) الشورى/ 15، وقوله تعالى: (ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى) المائدة/ 8، وقوله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وايتاء ذی القربى) النحل/ 90، وقوله تعالى: (وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين) المائدة/ 42، وقوله تعالى: (قل أمر ربی بالقسط) الأعراف/ 29، وقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله) النساء/ 135.

5 ـ اشتراط العصمة فی النبی والإمام:

وذلك فی قوله تعالى: (وإذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات فلما أتمهن قال إنی جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتی قال لا ينال عهدی الظالمين) البقرة/ 124.

فالآية تشترط نفی الظلم ممن يكون مورداً لعهد الله سبحانه وتعالى من نبی أو إمام، ونحن نعلم أن للظلم مرتبتين: مرتبة دنيا هی بمعنى عدم الاعتداء على حقوق الآخرين، ومرتبة عليا تتصل بكمال النفس واستقامتها والحذر من إيقاعها فی المهالك، وإذا جعلنا الآية وما فيها من اشتراط نفی الظلم عن النبی والإمام ناظرة إلى الرتبة الأولى، فإنها سوف لا تكون متناسبة مع مقام ومنزلة إبراهيم (ع)، إذ ليس متوقعاً منه (ع) أن يطلب الإمامة للمعتدين من ذريته حتى يأتيه الجواب بـ(لا ينال عهدی الظالمين)، فلابد وأن تكون الآية ناظرة إلى المرتبة العليا من نفی الظلم، وهی مرتبة العصمة لنفی الظلم عن النفس فضلاً عن الآخرين؛ لأن هذا المعنى هو المنسجم والمتناسب مع مكانة ابراهيم (ع) ومع مكانة من تطلب له الإمامة.

ومن الواضح ان العصمة هی الدرجة القصوى من العدالة، وهی تجسد حرص الله سبحانه وتعالى الشديد على تجسيد العدالة فی واقع الحياة.

6 ـ اشتراط العدالة فی المناصب الاجتماعية:

وبعد اشتراط العصمة فی النبی والإمام اشترط الاسلام العدالة فی كل المناصب الاجتماعية؛ مثل القضاء، وإمامة الماعة، وتولی قيادة المسلمين، ومرجعية الفتوى، وقد نص القرآن الكريم صراحة على اشتراط العدالة فی شهادة الشهود، كما فی قوله تعالى: (وأشهدوا ذوی عدل منكم وأقيموا الشهادة لله) الطلاق/ 2.

7 ـ آيات تطبيقية لقواعد العدل:

وهناك طائفة من الآيات لم يرد فيها لفظ العدل ونفی الظلم، إلا أنها من حيث المضمون تأتی تطبيقاً لقاعدة من قواعد العدل، وهی على عدة أصناف:

صنف يشير إلى قاعدة المساواة، وأن الله سبحانه يعطی لكل ذی حق حقه طبقاً لهذه القاعدة، وأنه لا يساوی بين المختلفين، مثل قوله تعالى: (قل هل يستوی الذين يعلمون والذين لا يعلمون) الزمر/ 9، وقوله تعالى: (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد فی سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدی القوم الظالمين الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا فی سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله..) التوبة/ 20، وقوله تعالى: (أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون) السجدة/ 18.

وصنف آخر يشير إلى أن الملاك الوحيد فی الجزاء هو العمل، مثل قوله تعالى: (وأن ليس للانسان إلا ما سعى وان سعيه سوف يرى) النجم/ 40، وقوله تعالى: (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره * ومَن يعمل مثقال ذرة شراً يره) النجم/ 40، وقوله تعالى: (كل نفس بما كسبت رهينة) المدثر/ 38، وقوله تعالى: (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) البقرة/ 286، والنتيجة الطبيعية للعمل بهذا الملاك أن لا يحساب انسان بعمل غيره. وهذا ما أكدته عشر آيات قرآنية جاءت فی سياقات مختلفة ولكن بتعبير واحد: (لا تزر وازرة وزر أخرى) منها قوله تعالى: (ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى) الأنعام/ 164، فيما أكدت آية أخرى بأن ذلك مبدأ ثابت فی كل النبوات، قال تعالى: (أم لم ينبأ بما فی صحف موسى وابراهيم الذی وفى ألاّ تزر وازرة وزر أخرى) النجم/ 38.

وصنف ثالث يربط التكليف بالقدرة عليه، كقاعدة من قواعد العدل الإلهی، مثل قوله تعالى: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) البقرة/ 286، الذی كرره القرآن بأنحاء مختلفة خمس مرات.

وصنف رابع يربط التكليف باقامة البيان عليه باعتبار أن التكليف بلا بيان قبيح وظلم، قال تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً) الإسراء/ 15.

وصنف خامس يبين اختيار الانسان وحريته وينفی الجبر عنه، مثل قوله تعالى: (إنا هدينا السبيل إما شاكراً وإما كفورا) الانسان/ 3، بوصف أن الجبر ظلم والمجازاة عليه ظلم ثان.

فی ضوء هذا كله يتاح لنا أن نسأل عن نسبة العدل الى الاسلام. هل هو مجرد حكم من أحكامه، أم قاعدة عامة من قواعد التشريع الاسلامی، أم هو روح سارية فيه نابعة من أصل التوحيد وملازمة له بحيث لا توحيد بلا عدل، كما لا عدل بلا توحيد؟ وكما أن الإله لا يمكن أن يكون جسماً كذلك لا يمكن أن يكون ظالماً، والإله الظالم لا وجود له كما هو الإله المتجسد فی جسم معين ليس بإله.

إن القول بكون العدل حكم من أحكام الاسلام يتنزل به عن الموقع اللائق الذی يستحقه وتقليل من شأنه الرفيع الذی وضعه الاسلام فيه، ويميل بعض المفكرين الى اعتباره قاعدة عامة من قواعد التشريع الاسلامی، ويأخذ على الفقه الاسلامی عدم تدوين قاعدة باسم قاعدة العدالة ضمن العديد من القواعد العامة التی يستخدمها الفقهاء فی استنباط الأحكام الشرعية، محاولين من خلال ذلك الانتصار للعدل ليأخذ مكانه اللائق به على صعيد الاستنباط الفقهی.

ولكننا مع ذلك نرى العدل فی مكانة أرفع من أن يكون الى مصاف قواعد فقهية أخرى، كقاعدة التجاوز، وقاعدة اليد، وقاعدة السوق، وقاعدة السلطنة، بدليل أن فقدان واحدة من هذه القواعد لا يؤدی بالشريعة الى خطر معين، بينما فقدان العدل لا يعرض الشريعة الى خطر الظلم فقط، بل انه يتنافى مع أصل التوحيد، إذ أن الشريعة الظالمة جزء من دين ظالم، والدين الظالم يصدر من إله ظالم، وقد مرّ أن الإله الظالم لا وجود له، وأن الظلم يتنافى مع كنه الألوهية، وبانتفاء الألوهية ينتفی الدين عقيدة وشريعة.

فالعدل أرفع شأناً من أن يكون مجرد قاعدة من قواعد التشريع أو قواعد الفقه الاسلامی، بل هو روح عامة نابعة من أصل التوحيد وجارية فی كل عروق الاسلام، وهنا يبرز أهم مظهر وأوثق علاقة عقائدية بين العدل والعالمية، فإن الإله الذی يكون رباً لشعب مختار دون سائر الشعوب ولا يكون رباً للعالمين هو إله ظالم وعنصری، وعنصريته مفردة من مفردات ظلمه، وسر هذا التلازم، أن العالمية بما هی مساواة بين الناس تعدّ مظهراً من مظاهر العدل ومصداقاً من مصاديقه.

وأهم أثر يترتب على جعل العدل من المرتبة الثالثة دون الأولى والثانية، إن العدل إذا جعل حكماً من الأحكام أو قاعدة من القواعد فإنه سيكون قابلاً لتطرق الاستثناء أو التخصيص أو التقييد عليه، بخلاف ما لو أصبح الروح العامة للدين الاسلامی المتصلة بأصل التوحيد بحيث يرتبط به وجوداً وعدماً، ويرتبط هو بها وجوداً وعدماً أيضاً، فإنه سوف يكون بمثابة لا تقبل التقييد والاستثناء والتخصيص مطلقاً ما دام أن ذلك سيخلّ بأصل التوحيد.

وهنا يكون البحث قد وصل نقطة عقائدية حساسة ومفيدة، وهی أن ظهور قرآنی أو نبوی يستفاد منه نوعاً من الانحياز وإيثار طرف على آخر بنحو يبدو منه الإخلال بالمساواة والعدالة، لابد من تأويله بنحو يحفظ المساواة ويضمن العدالة، كما هو الأمر فی كل ظهور قرآنی أو نبوی يبدو منه تجسيم الله، حيث يصار إلى تأويله بنحو يرفع عنه لاتجسيم، ويضمن تنزيه المولى وعدم تشبيهه بالمخلوقات؛ لأن التجسيم والتشبيه يتنافى مع كنه الأولوهية ويلزم من التصديق به عدمه، وكل ما يلزم من تصديقه عدمه باطل.

وهكذا الأمر فی الظهورات القرآنية والنبوية التی يبدو منها انحياز لصالح انسان على حساب انسان آخر، أوإخلال بقاعدة من قواعد العدالة التی مر ذكرها، لا يمكننا إلا أن نصرفها عن ذلك الظهور ونحملها على وجه آخر لا يلزم منه انحيازاً ولا إخلالاً بأی قاعدة من قواعد العدالة، فاذا تحدث القرآن الكريم عن تفضيل الناس بعضهم على بعض فی الرزق، أو تفضيل الرجال على النساء، أو تفضيل الأمم بعضها على بعض. وإذا تحدث القرآن الكريم عن آل ابراهيم (ع) وآل الرسول (ص) وعن ذرية الأنبياء بما يبدو وكأن امتيازاً أُلحق بهم لأجل النسب، كاعطاء الخمس لآل الرسول، وجعل الإمامة فی ذريته وذرية ابراهيم (ع)، وإلزام الأمة بمودتهم، واذا تحدث القرآن عن الشجرة الملعونة وأصدر حكماً على جماعة أو أمة أو جيل لسبب تورط فيه بعض أو أكثر الأفراد، فی كل هذه الحالت لا يمكننا أن نعتبر أن القرآن الكريم قد أعمل نوعاً من الترجيح لجانب على آخر بلا مرجح، وأنه قد أجرى ترجيحاً مخالفاً للعدالة عن طريق الإخلال ببعض القواعد، ولابد لنا من حمل كل هذه الحالات على وجوه موافقة للعدالة.

وهكذا الأمر، فی سنة النبی (ص) وسيرة المعصومين (ع)، وذلك لأن العدل أصل عقلی وعقائدی لا يقبل التخصيص والاستثناء والتأويل والتقييد، بينما الظهورات المنافية له فی الكتاب تقبل التأويل، والظهورات المنافية له فی السنة تقبل التأويل والطرح أيضاً، بينما يؤدی عدم اللجوء الى ذلك الى اختلال العدل، واختلال العدل يؤدی الى اختلال التوحيد كما مرّ.