الرسولُ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في القُرآن الكريم

الرسولُ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في القُرآن الكريم

السيّد: عبد الأمير علي خان

الحمدُ لله، وصلّى الله على عباده الذين اصطفى محمّد وآله وسلّم.

القرآنُ الكريم يحمل شهادته معهُ بإعجازه، فهو حجّة على جميع الناس في كلّ العصور.

وهو دليلٌ مُلزَم على كل ما يبيّنه للرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، من المنزلة، والخصائص، والامتيازات، والحقوق، وأنواع الولاية الواسعة...

ومَن يقرأ القرآن بتدبّر، يرى كيف يجعل رُسُل الله (عليهم السلام) محوراً لدين الله، وقُطباً لمدار الحركة والمسيرة الربّانيّة في الأرض.

وقد أشرنا(1) إلى دلالة هذا السياق القرآني الحكيم على وجود مِلاك قوي، لولاية واسعة قد جَعلها الله للرُسل (عليهم السلام).

وبيّنا أنّ ما جَعَله الله تعالى لرسوله الأكرم من ولايةٍ، لابدّ وأن يكون على القاعدة والسنّة العامّة، التي جعلها عزّ وجل لهذا المجال.

فالوجدان يؤكد بأنّ ولاية الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ـ لكونهِ خاتَم الرُسل والأنبياء، وكون رسالته هي الخاتِمة، وإنّها هي الرسالة الفعليّة إلى يوم القيامة ـ لابدّ أن تكون أوسع وأعلى ولاية جعلها الله للرسول.

ولابدّ أن يكون موقعه من الدين أهم وأخطر من موقع الرُسل، فهو الغاية للمسيرة الربّانيّة البشريّة.

ورسالتهُ لا تحتاج إلى تبديلٍ وتنقيح، مهما تطاول الزمن إلى يوم القيامة.

ودورهُ الذي أنجزه وفَعله، وتأثيره في حياة البشريّة، وفي تكوين القوّة المحرِّكة الهائلة في الحياة على مدى التاريخ، وما تركه من حركةٍ ومن خلافة فاعلة، كلّ ذلك ليُغني عن الحاجة لاستئناف رسالة جديدة.

وإنّ نبوتهُ الخاتِمة الوحيدة التي لا تشاركها نبوّة، تُغني عن كل نبوّة إلى يوم القيامة.

بل إنّه المَثَل الأعلى الذي يُغني عن الحاجة، لمَثلٍ أعلى حتى في يوم القيامة، وفي الحياة الأخرى.

وهذه ميزة خُصّ بها خاتم الأنبياء وسيّد الرُسل لم يشاركه فيها أحدٌ منهم، فقد كانت تجتمع عدة نبوات في منطقة واحدة، بل في بيتٍ واحد، في زمنٍ واحد، وكان يشترك عدّة رُسُل برسالةٍ واحدة...

ومع ذلك لم يقف القرآن الكريم عند هذا الحد، ويمضي إلى أبعد منه بكثيرٍ، فيتعمّد الصراحة، وتكثيف التأكيدات الشديدة القويّة على هذه الحقيقة...

إنّ القرآن الكريم مُصمّم تصميماً خاصّاً، يظهر بوضوح امتياز منزلة النبي محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عند الله على كل الرُسل، وإنّه بالنسبة لهم بمنزلة الرسول، وإنّ نسبتهم إليه بمنزلة الإتّباع، بل هم ملزَمون بإتّباعه، والتسليم إليه، ونصرته لو أدركوا زمانه ومبعثه.

(وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النّبِيّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنّ بِهِ وَلَتَنصُرُنّهُ قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى‏ ذلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِنَ الشّاهِدِينَ) إلى قوله تعالى: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (آل عمران: 81 ـ 85).

وكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو المُنتَظَر الموعود عند الرسل والأُمم، كما ننتظرُ المهدي (عليه وعلى آبائه السلام).

وكانوا يدعون الله سبحانه لتعجيل ظهوره ومبعثه، وكانت مَعالم رسالته معروفة عندهم وبأنّها رحمةٌ للعالمين، وإنّها السهلة السَمحاء التي يمنّ الله فيها بالتخفيف على البشريّة، وإلغاء الكثير من القيود، والأحكام الاستثنائيّة، والإجراءات الرَدعيّة والعقوبتيّة، والشدّة في الاحتياطات، وبابتعادها عن معنى الحَظر والحِرمان...

(وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُم مُصَدّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيّ مِنَ التّوْرَاةِ وَمُبَشّرَاً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمّا جَاءَهُم بِالْبَيّنَاتِ قَالُوا هذَا سِحْرٌ مُبِينٌ) (الصَف: 6).

(وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبّنَا تَقَبّلْ مِنّا إِنّكَ أَنْتَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرّيّتِنَا أُمّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنّكَ أَنْتَ التّوّابُ الرّحِيمُ * رَبّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكّيهِمْ إِنّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَمَن يَرْغَبُ عَن مِلّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدّنْيَا وَإِنّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ) (البقرة: 127 ـ 130).

(وَاخْتَارَ مُوسَى‏ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا فَلَمّا أَخَذَتْهُمُ الرّجْفَةُ قَالَ رَبّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِن قَبْلُ وَإِيّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السّفَهَاءُ مِنّا إِنْ هِيَ إِلّا فِتْنَتُكَ تُضِلّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِي مَن تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ * وَاكْتُبْ لَنَا فِي هذِهِ الدّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلّ شَيْ‏ءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلّذِينَ يَتّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَالّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الّذِينَ يَتّبِعُونَ الرّسُولَ النّبِيّ الْأُمّيّ الّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التّورَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلّ لَهُمُ الطّيّبَاتِ وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلاَلَ الّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتّبَعُوا النّورَ الّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُوْلئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الأعراف: 155 ـ 157).

(مُحَمّدٌ رّسُولُ اللّهِ وَالّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكّعاً سُجّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللّهِ وَرِضْوَاناً سِيَماهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِنْ أَثَرِ السّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى‏ عَلَى‏ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزّرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفّارَ وَعَدَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ مِنْهُم مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً) (الفتح: 29).

(مّلّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هذَا لِيَكُونَ الرّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النّاسِ فَأَقِيمُوا الصّلاَةَ وَآتُوا الزّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللّهِ‏ِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى‏ وَنِعْمَ النّصِيرُ) (الحج: 278).

فلو اقتصرَ القرآن الكريم على بيان مِلاكات ومناطات ولاية الرُسل (عليهم السلام)، لكان ذلك كافياً؛ للدلالة على ثبوت ولاية واسعة وعالية للرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم).

ووجود مثل الآيات المتقدمة التي تُبيّن امتياز الرسول على كافة الأنبياء، تُثبت أنّ ولايته تمتاز بالشمول، والسِعة، وعلوّ الدرجة عن ولايتهم...

ولكنّ القرآن الكريم لم يكتفِ بهذا كُلّه؛ وإنّما تَقصّدَ لأن يجعل شخص الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) محوراً رئيسيّاً لسوره وآياته، بعد الإيمان بالله سبحانه...

وجَعلَ الحديث عن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أوسع وأشمل من الحديث عن كل الرسُل مجتمعين،... والحديث عن الرسُل صِيغَ صياغةً خاصّة؛ ليكون تمهيداً وتهيئة للحديث عن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم).

والآيات التي تذكر الرُسل كمجموع، تتضمّن ذكر الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) معهم...

والآيات التي تذكر المؤمنين والأولياء، تشمل الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)...

والآيات التي تُخاطِب الأمة، غالباً ما تشمل الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أيضاً، إلاّ إذا كانت قرينة على عدم شمولها له.

والسِور التي تجعل رسول الله محوراً لها، أكثر بكثيرٍ من السور التي تجعل الرسول محورها الرئيسي، والسِور التي تجعل ذِكر الرُسل محوراً رئيسيّاً لها، يكون ذكر الرسول شريكاً في المحوريّة...

والآيات التي تذكر رسول الله، أو تشير إليه بشكلٍ ما، أكثر بكثير من الآيات التي تَذكر الرسل، أو تشير إليهم...

ويبدو لي ـ وللتجربة الخاصّة(2) ـ أنّ خير منهجة وطريقة لالتماس هذه الحقيقة، وهذه الظاهرة القرآنيّة الحكيمة هي: أن تعيش مع القرآن كلّه، تعيش معه من أوله إلى آخره، نتدبّر آياته كلّها، ونلاحظ دلالات السياق، والنظم، والقرائن، ومناسبات النزول، وأقوال العلماء مع الاستشهاد بأحاديث أهل البيت (عليهم السلام).

وقد فعلتُ ذلك في كتاب (الولاية والسياسة في الإسلام)، حيث تناولتُ السِور بالترتيب، وحَسب ما مُدوّن في المُصحف الشريف.

أذكُر اسم السورة، وعدد آياتها؛ لتتضح نسبة الآيات التي تذكُر، أو تشير إلى الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم).

وأختارُ بعض الآيات وأُسجّلها؛ للتلاوة وللتدبّر فيها كأمثلة، ونماذج، أو لوجود نكات وأبعاد جديرة بالاهتمام، أو للتأكيد وزيادة الملاحظة.

وأُعلِّق على بعض الآيات ـ أو بعض المقاطع، أو على الآيات المختارة من السورة ـ بجملة تعليقات، أرى أهميتها لأمر له علاقة بالموضوع نفسه وتوضيحه، أو للإشارة إلى شُبهة عند البعض.

وقد تتكرّر بعض الملاحظات، إمّا لفظاً، أو ضمناً لمناسبةٍ ما، أو لزيادة توضيح، أو لإضافة، أو لإتمام فكرة...

وقد رأيتُ أنّ مُعظم السِور فيها نسبة عالية من الآيات التي تذكر، أو تشير للرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ما عدا القليل من السِور القِصار...

وفي كلّ ذلك لا ينبغي الغفلة عن المقصود، وهو: بيان ما يوليه القرآن الحكيم من اهتمامٍ بشخص الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وما يثبتهُ له من مكانة ومنزلة عند الله، ويبيّنه من خصائص ومقوِّمات لشخصيّته العظيمة، وما يكشف عنه من دور ربّاني، جَعله الله للرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في حركة الدين في هذه الحياة، وما جعله الله له من موقعٍ من الدين، ويوم القيامة، وفي الآخرة.

وإنّي أشعر أنّ دراسة القرآن الكريم حسب تاريخ النزول، أفضل من هذه الطريقة؛ لأنّها تجعل الباحث يعيش مع القرآن الكريم، وهو يُربّي الأمة على ولاية الرسول، وعظيم منزلته، ولكن هذه الطريقة أيسر ـ إن لم تكن هي المتيسّرة فعلاً ـ؛ لصعوبة معرفة ترتيب بعض الآيات حسب تاريخ النزول لأهل هذا الزمان،... ولو أمكنَ الجمع بين الطريقتين، لكان أفضل وأتم،... مع أنّه من الأفضل عدم الاقتصار على طريقة واحدة في كل السِور، فمن الأحسن أن تُتّبع عدّة طُرق من العَرض، فمثلاً تُذكر أرقام الآيات المعيّنة في السورة، ثم تُسجّل منها آيات مختارة، مع التعليق على كل آية بإزائها.

أو تُذكر بعض الآيات أولاً، ويُعلّق عليها واحدة واحدة، أو جملة، ثمّ تُذكر أرقام الآيات المعيّنة في تلك السورة.

أو تكون في السورة الواحدة طريقة عَرض مُركّبة، ذكرُ أرقام الآيات، ثمّ تدوّن بعض الآيات ويُعلّق عليها، ثم تُذكر أرقام آيات أخرى وتدوّن منها آيات، ويعلّق عليها... وهكذا...

والسِور التي تكون افتتاحياتها خطاباً للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، من المفيد أنّ تُسجّل افتتاحياتها أولاً، ويُعلّق عليها، ثمّ تُعتَمد طريقة في باقي السورة...

وفي هذا الموضوع نُقدِّم مثالاً عمليّاً من سورة البقرة.

لنقرأها جميعاً ولنُلاحظ الآيات: 4، 6، 22، 23، 24، 25، 30، 76، 80، 89ـ92، 94، 95، 97، 99، 101، 107، 108، 111، 119، 120، 121، 129، 125، 137، 139، 140، 142، 144، 145، 147، 149، 150، 186، 189، 204، 211، 214، 215، 219، 220، 222، 243، 246، 252، 258، 278، 279، 285.

لاحظ موقع الآيات من السياق ونسبتها إلى السورة، حيث تَقرُب من نسبة الخُمس (عدد آيات السورة 285 آية).

وقبل مراجعة السورة في القرآن، لنقرأ من هذه الآيات هذه الأمثلة:

(...وَالّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) (البقرة: 4).

من ملاحظة هذه الآية، ووجود ضمير المخاطب فيها: (بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ) و(وَمَا أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ) ووحدة النظم والسياق بينها وبين الآيات المتصلة بها، يتضحُ أنّ الخطاب من البداية كان موجّهاً للرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وإنّ خطاب الناس والأمة؛ إنّما يكونان من خلاله، وبالمرحلة الثانية...

وهذا السياق في الخِطاب، يتكرّر في القرآن الكريم وبكثافة عالية جداً، لحدٍ يُجعل القرآن الكريم كلّه خطاباً لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أولاً، ثم ثانياً، ومن خلاله يكون خطاباً للناس وللمسلمين.

ويكون هذا السياق ظاهرة غالبة في بعض السِور، فمثلاً في سورة الأنعام تتكرّر مخاطَبة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أكثر من خمسين مرّة، مع أنّ عدد آياتها كلّها لا يتجاوز المائة وخمس وستين آية.

وفي بعض الآيات، يُفرد ذكر النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ويُردف إليه ذكر الأمة، أو ذكر الناس، أو ذكر المؤمنين، مع أنّ ذِكر المؤمنين يتضمّن ذكر النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم).

ويتفنّن القرآن الكريم في طُرق ذكر النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ومخاطبته: قُل، أرأيت، إنّك، لعلّك، انظر، لك، إليك... الخ.

وبعض الآيات تُرجِع الخطاب للرسول أكثر من مرّة، مِمّا يجعل ذكر الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في القرآن، أكثر من عدد الآيات التي ذكرناها إزاء السِور.

الهوامش:

ــــــــــــــــ

1 ـ في كتابنا: (الولاية والسياسة في الإسلام) المخطوط، وهذا المبحث مُستل من الجزء الأول منه من فصل: (ولاية الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)).

2 ـ هذه التجربة الخاصّة، عشتُها في بحوث: (الولاية والسياسة في الإسلام).