الأخلاق في القرآن الكريم

الدكتور عـبد‌ المـجيد‌ الحـر‌

كان الإسلام واقعيا عمليا، حمل فكرة التعايش الخلقي مع جميع الأديان التي‌ تركز التعايش على أرض مشتركة صلبة يقف عليها كل الفرقاء. وكان التهذيب منوطا بنشر تعاليم الخير‌ فـي كل قول وفعل‌. فـلا‌ يـجوز ممارسة الكلمات الحادة إذا كانت‌ الدعوة تحصل بالكلمات الهادئة، ولا يحسن اللجوء إلى للحركات والأجواء المتوتّرة المنفعلة، إذا استطعنا أن نستبدلها بالحركات المدروسة المتزنة، والأجواء الوادعة المطمئنة. وعاش الإسلام وانتشر‌ في ظلّ القرآن الكريم الذي كان مـثالا يقتدي به، لما حوى من عظيم الآيات التي أدهشت عقول العرب وسائر الشعوب، بجميل معانيها، وحسن توجيهاتها، ورقّي إنسانيتها التي لا تفرّق بين الناس‌، إلاّ‌ بمقدار ما يفرق الخلق‌ بين الخير والشرّ. ومـن أجـل ذلك قال عزّ وعلا مخاطبا نبيه(ص)، من منطلق هذه‌ الدلالة، وواقع تلك الرسالة السمحاء التي شرّف بها العالم كلّه ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159‌]

1. ولعل السبب في ذلك كلّه، هو أن يـشعر الآخـرون، بأنّ‌ الإسلام يحترم فكرهم وشعورهم وطريقتهم في التفكير، فلا يحاول أن يسيء‌ إليهم‌، بل‌ كلّ ما عنده، هو أنّه يواجه ذلك كلّه، بآيات قرآنية، تعطي جوابا لكل سؤال عـن السـير الصحيح في نهج الحياة القويم. ويكون الجواب هو الأساس الذي ينطلق التصرّف‌‌ الحكيم‌ من‌ خلاله بكلّ واقعية وهدوء وحرية‌، لئلا‌ يتحول‌ التعايش بين الإسلام وسائر الأديان، إلي انفعال مثير، يهدر كرامة الفـكر، ويـغيب تـوجيه القرآن، الناشر الإيمان والقناعة الذاتية‌ اللذين لا يعيشان إلاّ في الأجواء الطبيعية الحرة الهادئة .

﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: 46]

.2و هكذا نجد القرآن يركز على الجدال في الطريقة التي هي أحسن، ويستثني الظـالمين مـنهم، لنـقص‌ في‌ ممارساتهم‌، وانحراف في خلقهم يجعلهم لا ينطلقون من خلال الرغـبة في المعرفة‌ والوصول‌ إلى الحق، بل يحاولون أن يعتدوا أو يشاغبوا، أو يخربوا، مهما أمكنهم ذلك. ولم يسترسل‌ القرآن‌ في‌ الحديث‌ عن تـفاصيل الأخـلاق الإنـسانية، من الوجهة النظرية، بل حاول أن‌ يقدم أمامنا‌ النموذج‌ العملي‌ للأسـلوب الأحـسن، كمثال نحتذيه، ونسير عليه، فيما يواجهنا من أساليب، بقول عزّ شأنه:

﴿قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 136]

3. وبهذا امتزجت الطريقة‌ بالفكرة‌ التي‌ يرتكز عليها الإيمان بالإسلام، الذي نـعتبر جـسرا بـين الديانات، لأنه لا يشكو من أية‌ عقدة‌ إزاء ما تقدس من أنبياء، أو تؤمن به من عـقائد، ومـا تمارسه من‌ شريعة‌. فهو‌ يؤمن بالأنبياء السابقين، كما يؤمن بالنبي محمد(ص) ويقدّس الكـتب المـنزلة بـوحي من الله، كما يقدّس‌ الكتاب‌ الذي أنزل على محمد(ص) وينطلق من فكرة التوحيد التي تدين بـالإله‌ الواحـد‌، كما‌ تنطلق‌ هي- أي الكتب- من تلك القاعدة. وهو في‌ بداية المطاف ونهايته، يسلّم وجـهه وقـلبه وحـياته لله‌ تعالي‌ في‌ كل موقف من مواقف الحق والسلام، وفي كل‌ خلق من أخلاق مـعاني‌ آيـات‌ القرآن الكريم‌ ولعنا نجد في هذا الأسلوب الصفات‌ الواضحة، علي ما فـي القـرآن، مـن خلقية وقيم‌، حاول‌ أن يلتقي بها، من خلال التسامح‌ والانفتاح، بباقي المقدسات بحيث لا تمثل‌ القضية‌ أيـّ تـنازل مـن قبله، بل تنسجم مع‌ واقع‌‌ العقيدة‌ والإيمان، الأمر الذي يملأ أطراف التلاقي مـع‌ الآخـرين‌، شعورا بالقرابة الفكرية والروحية‌، لا يبتعد بأحد عن مـواقعه الأصـيلة‌ مـن حيث المبدأ.

وهذه‌ الأخلاقية‌ التي‌ تتجسد فـي الآيـات المعبّرة‌ عن‌ كيفية سير الحياة، تطرح القضايا المتفاهم عليها ضمن‌ تلك الأخلاقية، كـأسلوب خـير يربط‌ الناس‌ من خلال ارتـباطهم بـمبادئهم المنبثقة‌ مـباشرة‌ مـن‌ القـرآن الكريم والتي‌ تتمثل‌ بالاعتصام والفرح وسـلامة القـلب‌ والمعرفة‌ والحياة، وغير ذلك من رموز الأخلاقية الإسلامية في السلوك الاجتماعي. وإذا حاولنا أن نـحلل‌ بـإيجاز‌ كبير، هذا البعض من التسميات المـشتقة‌ من‌ أخلاق القرآن‌، فـماذا‌ نجد؟ نجد أن الاعتصام بالله، خلق من‌ أخـلاق القـرآن الكريم، وفضيلة من فضائل الإسلام العظيم، وجانب من هدي الرسول عليه الصلاة والتـسليم‌. وقـد‌ تحدث كتاب الله تعالي عن هـذه‌‌ الفـضيلة‌ فـي‌ أكثر‌ من‌ مـوطن، وجـعلها طريق‌ النجاة‌ والسعادة، وأمـر بـها اتباع دينه‌، فتراه‌ في سورة آل عمران يقول: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ [آل عمران: 101-103] فأخلاقي القرآن هنا تدعو للإصغاء بكل الحواس إلى المتكلم، وإشعاره بأن حواس من‌‌ يـحدثه‌ هـي مـعه، لترتاح نفسه، وتزداد ثقته بمعرفته. وتدعو إلى الاعـتصام بـحبل الله، وهـو القـرآن، أو الديـن، أو الجـماعة، أو عهد الله، أو طاعة الله. وإذا كانت آراء المفسرين، قد‌ تعددت‌ في المراد بحبل الله هنا، فهي نصب في مجري التجمل بكل ما يعود بالنفع‌ الدنيوي والأخروي. ويقول عزّ وعلا في سورة النـساء:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: 175-174]

4فهذه الكـلمات الربـانية، تفيدنا‌ أنّ‌‌ المتحلين بفضيلة الاعتصام بالله‌، هم‌ أهل الرحمة والفضل والهداية إلى الصراط المستقيم وهم أصحاب الخلق الذين خصهم الله بصفاء الجوهر، وولاّهم الفضائل‌ الحسية والنفسية، وثبت أقدامهم بالنصر.

و يأتي بـعد ذلك الفرح‌، وهو أن‌ يجد الشـخص خـفة في قلبه، فينشرح صدره، وأكثر ما يكون ذلك في اللذات والبدنية عند العامة، ولكن‌ أحرار العقلاء؛ يجدون لذة أخري، وسرورا أعلى في الأمور المعنوية الروحية‌. وليس‌ هـناك‌ أبـهي، ولا أعلى من الفرح‌ بـفضل الله وخـيره. ولذلك جعل القرآن الكريم «الفرح بفضل الله» فضيلة من ‌‌فضائله‌، وخلقا م أخلاقه، ومن جلال صفة الفرح الحق، أنه صفة كمال، ولهذا يوصف الله‌ جل‌‌ جلاله‌ بأعلى أنواعه وأكلمها. ومن حديث القرآن الكـريم عـن الفرح، نستطيع أن نفهم‌ بصفة عامة، أن‌ الفرح في القرآن نوعان، مطلق ومقيد: فالمطلق يأتي في مواطن الذم له‌ والنهي‌ عنه والتحذير منه، كقوله‌:

﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: 76]

و المقيد إذا قيد بالدنيا، فـهو أيـضا مذموم، لأنـه يجعل صاحبه ينسي فضل الله ومنته. كقوله في سورة الأنعام

﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الانعام: 44]

أي يائسون أو مكتثبون. وإذا كان مقيدا بفضل الله ورحمته، فهو محمود مـطلوب كـقوله فـي سورة يونس ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58]

وهذا‌ النوع من الفرح بفضل الله هـو ‌الفـضيلة الأخلاقية القرآنية التي‌0 تجمل صاحبها يتسامى عن‌ خسائس الألوان من الفرح، ويأخذ بالإقبال على الله، والفـرح بـما يأتيه عن ربّه من‌ فضل وخير‌ ورحمة‌. ومن أمثال هذه الآيات التي مرّت، نجد أخـلاق الذين آتاهم الله‌ الكتاب، وهم قائمون بمقتضاه بلا تغيير، يفرحون بما أنزل إليـهم من القرآن المجيد، لمـا فـي كتبهم من الشواهد‌ على صدقه، والبشارة به، فالقرآن هو فضل الله الأكبر، الذي‌ يستحق أن يفرح به المؤمن. وإذا أخذنا قوله عزّ وعلا، في سورة الروم:

﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ* بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الروم: 1-5] التمايز بين ما أحب المؤمنون، وما أحب الكافرون. فالمشركون‌ كانوا يحبّون أن تظهر فارس على الروم لأنهم أصـحاب أوثـان. وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس‌، لأنهم‌ أهل‌ كتاب. وقد يحقق ما ذكرته الآيات، وهو انتصار الروم بعد هزيمتهم‌، ففرح‌ المؤمنون، حينئذ يتحقق وعد الله تعالي، لأن النصر لا يكون إلاّ من عند الله.

و إذا أتـينا‌ الى سلامة‌ القلب فماذا نجد؟ نجد أن سلامة القلب فضيلة من فضائل الإسلام، وخلق من أخلاق‌ القرآن‌، وجزء‌ من هدي الرسول عليه الصلاة والسلام. وسلامة القلب‌ هي صفاؤه ونقاؤه، وصحته وقوته، وطـهارته‌ وبـراءته‌. والمـؤمن‌ الحق، من شأنه أن يكون‌ صـاحب قـلب سـليم، أي خالص من دغل الشرك والذنوب‌‌. وقد‌ أشار القرآن المجيد إلى الأخلاق الكريمة في فضيلة سلامة القلب، فقال في سورة‌ الشعراء‌

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 88-89]

وهذا يعني أنّ المـرء‌ لا‌ يـنفعه من عذاب الله‌ ماله ولو كثر، وبنوه لو زادوا عددا. وكذلك لا‌ ينفعه‌ افتداء‌ بمل‌ء الأرض ذهبا ولا بنفعه‌ الافتداء بمن على الأرض جميعا. فما يـنفعه إذن أخـلاق دنياه؟ ينفعه الإيـمان‌ بالله‌، والإخلاص في الدين، والتبرؤ من الشرك وأهله، وإنما يـفوز يومئذ من أتي‌ الله‌ بقلب‌ سليم، خالص من الشرك، بعيد من الدنس. ويقول القرآن الكريم، في سورة الصـافات، مـتحدثا عـن‌ نوح‌ وإبراهيم‌:

﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ * إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: 83-84]

ومـعين هـذا القول‌ من‌ العزيز الحكيم، أنّ من شيعة نوح وأهل دينه، إبراهيم(ع)، الذي أقبل على ربّه‌ بقلب سـليم، عـامر‌ بـالتوحيد‌ والخير، نقي من الشرك والإثم خالص من آفات القلوب‌ وعيوبها. ومجرد وصـف‌ إبـراهيم‌ بـهذا الوصف، وهو «سلامة القلب» فيه تشريف‌ لهذه‌‌ الفضيلة‌، وخلق ينضح منها. وقد ذكرت أخـلاق سـلامة‌ القـلب‌ في كثير من الآيات التي‌ نأخذ منها: أنّ القلب هو المقبول عند الله‌ إذا‌ سـلم له ولم يـكن محجوبا‌ عنه‌. وهو الذي‌‌ يسعد‌ بالقرب‌ من ربّه، فيفلح إذا زكاه صاحبه‌، ويخيب‌ ويـشقي إذا دنـّسه. وهـو المطيع‌ لله في الحقيقة، والذي ينتشر على الجوارح‌ من‌ العبادة أنواره. وهو الذي إذا عرفه‌‌ الإنسان عرف نفسه، وإذا‌ عرف‌ نفسه عرف ربه سبحانه وتعالى. وإذا سـيطر الشـيطان‌ على هذا القلب، أفسده وأضلّه بآفات‌ منبوذة‌ مكروهة منها: الغضب والشهوة، والحـسد، والحـرص‌، والإسراف‌ في الطعام‌، وحب‌ التزين‌، والعجلة وترك التثبت في‌ الأمور، والمال‌ وإعزازه، والبخل وخوف الفقر، والتـعصب للمـذاهب والآراء، وسـوء الظن بالمسلمين، والمعاصي والآثام التي‌ تسبب‌ كدورة على وجه القلب، تمنع صـفاءه‌ وجـلاءه‌‌1. وتلكم‌‌ العمري‌ أجل‌ المواعظ التي تعلو‌ بالأخلاق‌ إلى قمم الفوز بنعيم الآخرة.

و إذا أتينا إلى المعرفة فماذا نجد؟ نجد أن المعرفة فـي الأصـل هي إدراك‌ الشيء‌ بتفكر‌ وتدبر لأثره. وقد تشتبه المعرفة بالعلم، مع‌ أنـ‌ مـعني‌ المعرفة‌ أخص‌ من‌ العلم.

فمعرفة البشر لله تـعالي هـي بـتدبر آثاره، دون إدراك ذاته، والعلم هو ما يدرك بـواسطة كـسب أو بلا واسطة، والمعرفة هي ما يدرك بواسطة الكسب فقط‌. كما أن المعرفة تفترق عـن العـلم استعمالا، في أن العلم يقال لإدراك المـركب، والمـعرفة تقال لإدراكـ‌ البـسيط. ومـن المعرفة جاء وصف «العارف» وهو المـختص بـمعرفة الله، ومعرفة ملكوته‌ وحسن معاملته‌، وبهذا‌ تكون المعرفة أعظم درجة من العلم، ومـن هـذا الباب تصبح‌ المعرفة خلقا م أخلاق القـرآن الكريم، وفضيلة من فـضائل الإسـلام العظيم، وجانبا من‌ هدي الرسـول(ص). وقـد أشار كتاب الله المجيد‌ إلى شيء من مفهوم المعرفة الأخلاقي، حينا قال في سـورة المـائدة:

﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: 83]

ومعنى ذلك، أن هؤلاء إذا سمعوا ما أنزل الله عزّ شأنه من القرآن على رسـوله(ص)تـري‌ دموعهم تسيل بغزارة من عيونهم. وذلك مـن أجـل‌ ما‌ عـرفوه مـن الحـق الذي‌ بينه‌ لهم‌ القـرآن. وهذه حالهم وقد سمعوا بعضه من القرآن، فكيف لو سمعوه كلّه وهناك عند الأشرار نوع مـن المـعرفة المعاندة، يشير إليها القرآن في سـورة الأنـعام حـيث يـقول:

﴿الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾

[الانعام: 20]

فهذه معرفة مكابرة، لا تثمر ثمرة المعرفة‌ الصحيحة السليمة. وهذا النوع‌ من المعرفة؛ يجعل أصحابها ينكرون ما يعرفون‌، لأن‌ إظهارهم‌ لهذه الحقيقة، سيفقد هم‌ جاههم وسلطانهم في الحـياة. وفي مثل هذه المعرفة، يقول سبحانه وتعالي في سورة‌ ‌‌البقرة‌

﴿الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 146]

وهذا يعني أن الذين أوتوا الكـتاب يـعرفون صدق ما جاء به‌ رسول الله من‌ عند ربه، كما يعرفون أبناء هم الذين يتولون تربيتهم، ولكنهم يكتمون هذا الحق‌ سفها وعنادا ومكابرة. ويذكر‌ الله‌ عزّ شأنه كثيرا من هـذه الآيـات التي تبين جلال‌ المعرفة وعظمتها في أخلاق الناس التي تواجه ما في الدعوة الإسلامية من خير شامل، يرقي بها إلى مصاف الكمال.

وإذا أتينا إلى الحـياة فماذا نجد؟ نجد أنها حلقة في سـلسلة أخـلاق القرآن.

ونجد أن المقصود بها، ليس مجرد الحياة الحسية التي هي ضد الموت، بل يراد المعني المجازي على التشبيه لإصلاح النفوس بالحياة، وقد ذكر‌ العـلماء‌ أن الحـياة تستعمل على أوجه، فـقد يـراد منها القوة النامية الموجودة النبات والحيوان، ومن ذلك‌ قيل: نبات حي. وقد يراد منها القوة الحساسة، ومن هنا سمي الحيوان حيوانا، و على هذا‌ جاء‌ قوله تعالى:

﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾

[فاطر: 22]

و قـد يراد منها القوة العالمة العاقلة ومن هذا قوله عزّ شأنه:

﴿ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الانعام: 122]

وكذلك سائر الأخلاق الفاضلة، والصفات الممدوحة‌، تابعة‌ لقوة الحياة، وضدها من نقصان الحياة، ولهذا كانت حـياة الشـجاع أكمل مـن حياة الجبان، وحياة السخي‌ أكمل من حياة البخيل، وحياة الفطن الذكي أكمل من حياة الغبي البلد. ولهـذا‌ لما‌ كان‌‌ الأنبياء صلوات الله عليهم، أكمل‌ الناس‌ حياة‌، وأكمل الناس مـن هـذه الأخـلاق المنتشرة علوا ورفعة في الآيات الكريمة التي يقول فيها عزّ شأنه:

﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الانعام: 122]

ثم‌ يقول تبارك وتعالي فـي سورة النحل‌

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97]

ثم يقول عزّ وعلا:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الانفال: 24]

و هذا‌ يعني‌: أجيبوا الله تعالى وأطيعوه باتباع رسوله(ص) إذا دعاكم لكل حق وصواب يكون فيه لكم‌‌ الحياة‌ الطيبة‌ الدائمة. ونستنبئ في ظلال القرآن الكريم الكثير الكثير حـول آيـات كريمة، تدعو الناس إلى الحياة‌ بكل معنى من معانيها التي تحيي القلوب والعقول. ولم نستطيع‌ في هذه العجالة‌ من‌ البحث‌ المحدّد الصفحات، أن نلمّ بفضائل الأخلاق وعظمتها في‌ كتاب الله العزيز، ولكننّا نـستطيع القـول‌ إنّها‌ في كل مضافيها، تدعو إلى شريعة تحيي‌ الأفراد والجماعات، وتهيئ للجميع حياة كريمة‌ متكافئة‌ عادلة‌، يأمن فيها كل إنسان‌ على دمه وعرضه وماله، ويطمئن فيها إلى عدالة التشريع والقضاء، وكـفالة‌ المـجتمع‌‌ والدولة، وسعادة الدنيا والآخرة. والله الهادي لنا جميعا لما فيه علو أمتنا‌، بفضائل‌‌ أخلاقنا‌، في طريق الكمال المقدر لنا في الحياة.